عبد الملك الجويني

204

نهاية المطلب في دراية المذهب

ليس له غيره ، وإن أجاز ، لم يطالِب البائعَ بأرشِ الجناية ؛ لأنا نزلنا فعلَه منزلةَ آفةٍ سماوية . فإن قيل : هلاّ سلكتُم هذا المسلكَ فيه إذا كان الجاني أجنبيّاً ؟ قلنا : لا تعلّق للعقد به ، وإنما يلتزم ما يلتزم بالجناية المحضة ، فيستحيل أن نُحبط جنايتَه في جهةٍ من الجهات ، [ نعم ] ( 1 ) يجوز أن يختلف مستحِق الأرش ، فأما أن يَبْرَأَ الجاني ، فهذا محال . وإذا كان الجاني هو البائع ، وجعلنا فعلَه كآفةٍ سماوية ، فعهدةُ العقدِ متعلقةٌ به ، فكفى إثباتُ حقّ الرد للمشتري ، وهذا بمثابةِ إتلافهِ على قولنا : إنه كالتلف السماوي ، فإنا لا نُلزمه القيمةَ . والمرأةُ إذا ارتدت ، فقد أفسدت على زوجها حقَّ المستمتعِ ، ولا تنزل منزلةَ المرضعةِ تُفسدُ النكاح بالإرضاع . وإن عاب المبيع بجنايةِ المشتري بأن قطع [ يدَ العبدِ ] ( 2 ) المبيع ، فلا شك أنه لا خيارَ له ، وإن جرى القطعُ في استمرارِ يدِ البائع ، ولكنا نجعله قابضاً لمقدارٍ من المبيع ؛ فإن إحباطَ الجنايات لا سبيلَ إليها ، والعيبُ في هذا المقام بمثابةِ جزء من المبيع . ثم قال العلماء : إن ألزمنا الأجنبي أرشَ القطعِ ، فجراحُ العبدِ من قيمته ، كجراح الحرِّ من ديتِه على النَّصِّ . وفي المسألة قولٌ آخر خرّجَه ابنُ سُريج : إنه يتعلق بالجنايةِ نقصانُ القيمة ، وسيأتي ذلك في كتاب الخراج . وإن جعلنا البائعَ كالأجنبي في الجناية ، فقطع يدي العبدِ ، ثم رجليه ، واندملت الجراحات ، فقد نُلزمه بسبب اليدين القيمة الكاملة وبسبب الرجلين قيمة عبدٍ أقطعَ اليدين ، ثم نسلِّم العبدَ إلى المشتري إذا كان أجاز ، ولا نلزمه إلا الثمن المسمَّى . 3114 - وأما إذا كان الجاني هو المشتري ، فقد قطع الأئمة بأن المرعيَّ في حقه النقصانُ لا المقدَّر ، والسببُ فيه أنا لو اعتبرنا المقدّرَ ، لجعلناه قابضاً للعبد حُكماً إذا

--> ( 1 ) في الأصل : ثم . ( 2 ) ساقط من الأصل .